كتابٌ ، وكلمةٌ . . . - جمعية مركز الإمام الألباني للدراسات والأبحاث

كتابٌ ، وكلمةٌ . . .

  • علي حسن الحلبي
  • 25/06/2018
  • 140

كَتَبَتِ (الأَصالةُ) -مشكورةً- في (مسك خِتام) عددها الماضي كَلمةً حَسنةً حولَ كتابِ ((رِفْقاً أهلَ السُّنَّة بأهل السُّنَّة)) لسماحةِ أستاذنا العلامة المحدِّث الشيخ عبدالمحسن بن حَمد العبَّاد البَدْر-نَسَباً ووصفاً -جزاه اللهُ خَيْرَ الجزاء-: تُثني عليه، وتمدحُهُ -وهو أهلٌ لذلك بحقٍّ-؛ فكانت كلمةً -بجُملتها- نافعةً للقُراء، ومفيدةً للألبّاء . . .
وَلمّا كان كُلُّ كلامٍ -سوى كلامِ الكمالِ والعصمة- مُعَرَّضاً للنقص والنقد: رأيتُ -لزاماً- كتابةَ كلمةٍ -أخرى- تكون تكميلاً لكلمة (الأصالة)؛ التي هي مِنّا وإلينا -ولله الحمد-؛ فأقول:
أولاً: إنَّ هـذا الكـتاب النافعَ معدودٌ -ولا بُدَّ- في جُملة (النصيحة الشرعية) (1)؛ من عالمٍ جليلٍ كبير؛ يتنَزَّه- بجميل علمهِ وكِبَرِ قَدْرِه- عن أغراض النّفوس، وأمراض القلوب -ولا نُزَكّيه على الله-؛ فهو -منه- في حيِّز الاجتهاد والثواب -لا غير-.
ثانياً: استغلالُ بعض أهل الشبهاتِ الكتابَ -ومضمونه- لتصفية حسابات معينة (مِن=إلى)، أو نَحو مقاصد خاصّة: أسلوبٌ مرفوضٌ؛ يجبُ الترفُّع عنه مِن كُلِّ منصفٍ نفسَه؛ ليضع الكتابَ في مكانِه الأساس: أصلاً لا فرعاً، وقاعدةً لا فصلاً...
ثالثاً: الكتاب -كسائر الكتب- عُرْضةٌ للردِّ؛ فما مِنّا إلا رادٌّ ومردود عليه؛ إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
وأهل السنّة يقدّرون علماءَهم، ولا يقَدِّسونهم.
رابعاً: ظهر لي -بعد تأمُّل- شيءٌ مِن الملاحظات على مُجْمَل الكتابِ -وبعضُها تكميليٌّ - بل قد أُخالَفُ في أشياءَ منها-؛ وهي:
1) لزوم وجود كلمة تأصيلية في أهميّة (الرد على المخالِف) -ولو كان من أهل السنة-.
نعم؛ بالشرط المعتبر - علماً وأدباً-؛ ليكون مُغْلِقاً على المقصّرين طريقَهم الباطلَ المبنيَّ على التهاون في الحقّ، والتّساهل في معاملة الخَلْق.
وليكون -في الوقت نفسِه- واجهةَ حقٍّ تَسُدُّ على الغُلاة تَفَلُّتهم الكبير في تلقُّط الأخطاء، وتصيُّد العَثَرات . . .
2) ذِكر (أهل السُّنّة) -هكذا!! بالعموم- جَعَلَ بعضَ الحِزبيِّين -مِن الإخوانيِّين، والسُّروريِّين، والتبليغيِّين- يدُسُّون أنوفَهم، ويحشُرون أنفسهم(2) ضِمْنَ عنوان الشيخ!! وهم -يَقيناً- ليسوا ضِمْنَ مُراده -بارك الله فيه-.
فلو كان العنوان -مثلاً-: (رفقاً دعاةَ منهج السّلف بأنفسكم): لكان هذا مِن العناوين الدّالة -تماماً- على المضامين، وقطعاً لطرائق أولئك الخالفين المخالفين -غُلاةً ومميِّعين-.
3) (الجرح والتعديل) علمٌ منضبط دقيق، فيه ثبات أهل السُّنَّة؛ وقوّةُ منهجهم، والنقضُ على مخالفهم، وقد قيل قديماً: (لولا حملة المحابر، وأصحاب الدفاتر: لخَطَبَتِ الزنادقة على المنابر).
فَذِكر أيِّ كلامٍ يُشْعِر بالتقليل مِن قدره -ولو بغير قصد- ينبغي أن يُغَيَّر إلى سواه، ويُنْقَل إلى ضدِّه ونقيضهِ؛ ممّا يتضمّن تحقيق مهمة (عُدُول الأمة) ممّن ينفون عن العلم: (تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين)، وهي أُصولُ أهداف علم (الجرح والتعديل) -سابقاً ولاحقاً- . . .
نعم؛ قد يدخل هذا العلمَ مَن ليس أهلَه! لكنَّ هذا لا يُسوِّغ الانتقاصَ منه، ولا التقليلَ مِن شأنهِ ومكانتهِ -ولو بغير قَصْد!-.
4) ذِكرُ (رئاسة الإفتاء) -الموقّرة- في بلاد الحرمين- لِتكون المرجع الوحيدَ للسؤال عن الأشخاص أو الجماعات: أمرٌحسنٌ جيِّد؛ لكنّ الإلزامَ به لِعُموم المُسلمين في العالم عسرٌ، قد يكون صعبَ التحقيق -جدّاً-؛ وذلك من وجهين:
أ- أَنّ (رئاسة الإفتاء) -الموقرة- هيئةٌ رسميّة تابعة لدولة إسلامية، ومثلها في ذلك -ولو مِن طَرَفٍ!- (إفتاء الأزهر)؛ فنخشى أنْ يكـونَ الإلزامُ بها سبيلاً للإلزام بغيرها -من غيرها!-.
ولهذا سلبيّاتُهُ الشديدةُ التي لا تخفى!!
نعم؛ قد يكونُ ذلك نافعاً وكافياً لأهل بلاد الحرمين فيما بينهم -أنفسِهم-؛ لِما يتضمّنه هذا الحَدُّ مِن نفي هاتيك السلبيّاتِ المتوقّعة، فضلاً عن قطعِ هذا العبث الدائر -السائر- مِن بعض الجهاتِ -هناك-!!
بينما لو جَعَلْنا الحُجَّةَ -وحدَها- هي المُرَجِّحَةَ لقولِ أيِّ قائلٍ -هيئةً كان أم فرداً- في جميع بلاد المسلمين-: فهذا سبيلُ الحقِّ، وأَهل الحقِّ، وهُو -في الوقت نفسِه- إغلاقٌ لذاك الطريق الوَعْرِ -السلبيِّ- المشار إليه -قَبْلُ-.
مع كُلِّ الاحترام والتقدير لـ(رئاسة الإِفتاء) -المبجَّلة-، وغيرها من الهيئات العلميَّة المعتبرة.
ب- من قواعد العلم: (الحكم على الشيء فَرْعٌ عن تصوُّره)، وهذا أمرٌ لا يتحقّق صوابُ الإفتاءِ في ضَوْئهِ -إلا مِن خلال التّواصُل التامّ-أو شبهه- بين (رئاسة الإفتاء) -من جهةٍ-، وبين أهل العلم وطلبَته -مِن أهل السنة ودُعاة منهج السَّلف - من جهة أخرى-؛ حتى يكونَ تصوُّر حقائق الأفراد والجماعات المسؤولِ عنهم -في سائر البلدان- على أقرب وُجُوه الصواب، وأدناها إلى الكمال. . .
وهذا أَمْرٌ -فوا أَسفاه- غيرُ مُتَحقِّقٍ على الوَجْهِ الكافي، وإنْ وُجِدَ منه شيءٌ: فليس هو المطلوب . . .
وعسى أن يتحقق على ما نرجو، وأن تزولَ عقباتُهُ، وتُحْمَدَ عَوَاقِبُهُ.
5) ذَكَرَ سماحةُ شيخنا العبّاد -حفظه المولى- بعض العلماء الذين (مَضَوا وعندهم خلل في مسائل من العقيدة، ولا يستغني العلماء وطلبة العلم عن علمهم . .)؛ ذاكراً منهم البيهقي، والنووي، وابن حجر العسقلاني . . .
ثم عَطَف -حفظه الله- مباشرةً- بقوله: (. . . ومِن المعاصرين: الشيخ العلامة المحدِّث محمد ناصر الدين الألباني . . .) ..
ثم أثنى عليه (في العناية بالحديث وسَعَة الاطّلاع فيه)؛ مشيراً إلى أخطاء وقعت منه!! ذاكراً منها -زاده اللهُ توفيقاً- مثالَين على ذلك من أقوال شيخنا الألباني وترجيحاتهِ (الفقهيّة):
أولهما: أنَّ ستر وجه المرأة ليس بواجب.
ثانيهما: أن وضع اليدين على الصدر بعد الركوع بدعة ضلالة . . .
فأقول: هنا أمران:
الأول: أنَّ عطفَ اسمِ شيخِنا الألبانيِّ على مَن ذُكروا: مُوهِمٌ(!) باتٍّحاد الوجه في النقد، وهو (الخلل في مسائل من العقيدة) . . مع أنه غيرُ مراد لشيخنا العبّاد -بتاتاً-.
الثاني: أنَّ شيخنا العبّاد -حفظه المولى- عقّب على المسألةِ الثانية -وضع اليدين على الصدر بعد الركوع- بقولِه: (وهي مسألة خلافية)!!
فأقول لسماحته -نفع اللهُ به-: والأولى؛ أليست مسألةً خلافية -أيضاً-؟!
فكان ماذا؟!
وإنِّي -واللهِ- لأعلمُ كم هي الصِّلةُ وثيقةٌ وعميقةٌ بين شَيْخَيْنا الجليلَين -الألباني والعبّاد- منهجاً وعقيدةً؛ فكان الأَوْلى - عندي- والحالةُ هذه- ضَرْبُ المثالِ بغير شيخنا الألباني، أو -على الأقل- بغير هاتين المسألتين! -إنْ وُجِدَ- !!
6) ضَرَبَ الشيخُ -حفظه الله- مثلاً على (فتنة التجريح والهجر من بعض أهل السنة في هذا العصر، وطريق السلامة منها)؛ بـ(إحدى الجمعيّات) الّتي يَنتقد شيئاً من مسالكها بعضُ المشايخِ والعُلماء -مِن أهل السُّنَّة السَّنيَّة- . . .
ولئِن كان ذِكْرُ هذه (الجمعيّة) -في الرسالةِ- ليس صريحاً، بل على سبيل الإبْهام؛ لكن الأذهانَ قد تذهب بتحديدها كُلَّ مجالٍ، كُلٌّ بحسب ما يظنّ، أو يتوهّم . . . ممّا يفتحُ -ويفتحُ!- أبواباً من الظنون السيّئة -من جهة-، وأبواباً من  زيادةِ الاختلاف والفُرقة -من جهة أخرى-، فضلاً عمّا قد يجري مِن استغلالٍ لكلام شيخِنا العبَّاد -أو توجيهه- إلى أو هنالك!!!
وهذا -كلُّه- نحن في غِنىً عنه، وبخاصة في هذا الزمان العَسِر -بكل ما فيه من تناقضات واضطرابات-!!
 . . . وأخيراً:
إنَّ هذه الملاحظات لا تَخْرُجُ بالكتاب -البتّةَ- عن أن يظلَّ مجموعُ محتواه (كلمة تُساوي ألفاً) -والله-.
والظنُّ كبيرٌ -كبيرٌ- بِسَعَةِ صَدْرِ أُستاذنا العَبَّاد -أكرمه اللهُ- وجلالةِ حِلْمهِ وعِلْمهِ-: في أن يَعدَّ ما عندي -هنا- سبيلَ زيادةٍ لا انتقاص، وائتلافٍ لا افتراق؛ شعارُهُ حبُّ العلمِ وأهلِه، ونصرةُ السُّنَّةِ وحَمَلَتِها.
ومَـن عنده على كلام أُستاذنا العبّاد -أيضاً-أو على غيره- أيُّ انتقادٍ أو إيرادٍ: فليذكُرْه بالتي  هي أحسنُ للّتي أقومُ؛ تكميلاً وتَتْمِيماً؛ ممّا يليق بمنزلة سماحة أستاذنا الشيخ العبّاد -زاده اللهُ فضلاً-، ومكانته اللائقة به في العلمِ والدين؛ وتطبيقاً لقاعدتهِ الذهبيّة الرّائدة: (رِفْقاً دُعاة منهج السلَف بأنفسِكم) . . .
واللهُ المسدِّد، لا ربَّ سِواه.