قواعد في الطب النبوي وصايا طبية نبوية نافعة - جمعية مركز الإمام الألباني للدراسات والأبحاث

قواعد في الطب النبوي وصايا طبية نبوية نافعة

  • محمد موسى نصر
  • 11/08/2018
  • 402

حفظ الصحة بالعسل:
قال –تعالى: { يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} ، وفي «الصحيحين» من حديث أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي يشتكي بطنه، [وفي رواية: استطلق بطنه]، فقال: اسقه عسلاً، فذهب ثم رجع، فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئاً، وفي لفظ: فلم يزدهُ إلا استطلاقاً –مرتين أو أكثر-، كل ذلك يقول له: «اسقه عسلاً»، فقال له في الثالثة أو الرابعة: «صدق الله، وكذب بطن أخيك»(1).
ففي الحديث علاج نبوي ناجع لمن أصابه استطلاق في بطنه، عن تخمة أصابته عن  امتلاء؛ «فأمره بشرب العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء،فإن العسل فيه جلاء، ودفع للفضول، وكان قد أصاب المعدة اختلاط لزوجة؛ تمنع استقرار الغذاء فيها للزوجتها، فإن المعدة لها خَمَل كخمل القطيفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة، أفسدتها، وأفسدت الغذاء، فدواؤها بما يجلوها من تلك الأخلاط، والعسل جلاء، والعسل من أحسن ما عولج به هذا الداء لا سيما إن مزج بالماء الحار»(2).
وقال ابن القيم -يرحمه الله-: «وفي تكرار سقيه العسل معنى طبي بديع، وهو أن الدواء يجب أن يكون له مقدار، وكمية بحسب حال الداء، إن قصر عنه، لم يُزلـه بالكلية، وإن جاوزه، أوهى القُوى، فأحدث ضرراً آخر، فلما أمره أن يسقيَه العسل، سقاه مقداراً لا يفي بمقاومة الداءِ، ولا يبلُغ الغرضَ، فلما أخبره، علم أن الذي سقاه لا يبلُغ مقدار الحاجة، فلما تكرر ترداده إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكّد عليه المعاودة ليصل إلى المقدار المقاوم للداء، فلما تكررت الشرباتُ بحسب مادة الداء، بَرَأ –بإذن الله-، واعتبار مقادير الأدوية، وكيفياتها، ومقدار قوة المرض والمريض من أكبر قواعد الطب.
وفي قولـه صلى الله عليه وسلم: «صدقَ اللهُ وكذب بطن أخيك»، إشارة إلى تحقيق نفع هذا الدواء، وان بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه؛ ولكن لكذب البطن، وكثرة المادة الفاسدة فيه، فأمره بتكرار الدواء لكثرة المادة»(3).
منافع العسل في الطب القديم:
قال ابن سينا: العسل طل خفي يقع على الزهور وعلى غيره، فيلقطه النحل وهو بخار يصعد، فينضج في الجو، فيستحيل ويغلظ في الليل، فيقع عسلاً، وقد يقع العسل كما هو بجبال قصران، ويختلف بحسب ما يقع عليه الشجر والحجر، وأكثر الظاهر من يلقطه الناس، والخفي يلقطه النحل، وأظن أن لتصرف النحل فيه تأثيراً(4)، وإنما يلتقطه النحل ليغتذي وليدخره.
ومن العسل جنس حرِّيف سُمِّي .... وأجود العسل: الصادق الحلاوة، الطيب الرائحة، المائل إلى الحرافة، وإلى الحمرة، المتين الذي ليس برقيق، اللزج الذي لا ينقطع، وأجوده الربيعي، ثم الصيفي، والشتائي رديء –فيما يقال-.
وعسل النحل حار يابس في الثانية، وعسل الطبرزد [السكر نبات] والقصب حار في الأولى ليس يابس، ويجوز أن يكون رطباً في الأولى.
الأفعال والخواص: قوته جالية مفتحة لأفواه العروق، محللة للرطوبات، تجذب الرطوبات من قعر اليدين، وتمنع العفن به والفساد من اللحوم.
والتلطخ به يمنع القمل والصيبان ويقتلها، ومع القسط لطوخ للكلف خاصة المزمن، وبالملح لآثار الضربة الباذنجانية. (5)
والعسل: ينقي القروح الوسخة الغائرة، والمطبوخ منه حتى يغلظ يلزق الجراحات الطرية ويخفيها، ويقوي السمع، وشم الحريف السميّ منه يذهب العقل، فكيف أكله؟!
والعسل: يجلو ظلمة البصر، والتحنك به، والتغرغر يبرئ الخوانيق وينفع اللوزتين، وإن شرب العسل سخناً بدهن ورد نفع من نهش الهوام، ومن شرب الأفيون، ولعقه علاج عضَّة الكلب الكَلِب، وأَكل الفطر القتال والمطبوخ منه نافع للسموم(6).
وقال الإمام ابن قيم الجوزية:
«والعسل فيه منافع عظيمة، فإنّه جلاء للأوساخ التي في العروق والأمعاء وغيرها، محلل للرطوبات أكلاً وطلاءً، نافع للمشايخ وأصحاب البلغم ومن كان مزاجه بارداً رطباً، وهو مغذٍّ مليَّن للطبيعة، حافظ لقوى المعاجين ولما استودع فيه، مذهب لكيفيات الأدوية الكريهة، منق للكبد والصدر، مدر للبول، موافق للسعال الكائن عن البلغم، وإذا شرب حاراً بدهن الورد نفع من نهش الهوام وشرب الأفيون، وإن شرب وحده ممزوجاً بماء نفع من عضّة الكلب الكلب وأكل الفطر القتال، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك إن جعل فيه القثاء والخيار والقرع والباذنجان، ويحفظ كثيراً من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثث الموتى، ويُسمَّى الحافظُ الأمين، وإذا لطخ به البدن المقمل والشعر قتل قمله وصئبانه وطول الشعر وحسنه ونعمه، وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر وإن استن به بيض الأسنان وصقلها وحفظ صحتها وصحة اللثة، ويفتح أفواه العروق، ويدر الطمث، ولعقه على الريق يذهب البلغم ويغسل خمل المعدة ويدفع الفضلات عنها، ويسخنها تسخيناً معتدلاً، ويفتح سددها، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة، وهو أقل ضرراً لسدد الكبد والطحال من كل حلو، وهو مع هذا كله مأمون الغائلة قليل المضار، مضر بالعرض للصفراويين ودفعها بالخل ونحوه، فيعود حينئذ نافعاً له جداً، وهو غذاء مع الأغذية ودواء مع الأدوية وشراب مع الأشربة وحلو مع الحلوى وطلاء مع الأطلية ومفرح مع المفرحات، فما خلق لنا شيء في معناه أفضل منه ولا مثله ولا قريبا منه، ولم يكن معول القدماء إلا عليه، وأكثر كتب القدماء لا ذكر فيها للسكر البتة ولا يعرفونه فإنه حديث العهد حدث قريباً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يشربه بالماء على الريق وفي ذلك سر بديع في حفظ الصحة لا يدركه إلا الفطن الفاضل»(7).
العسل في الطب الحديث:
لقد حظي العسل في الطّب الحديث كما حظي من قبل في الطب القديم، واستفاد الإنسان من التقدم العلمي والتكنولوجي في تحليل العسل، ومعرفة مزاياه العلاجية، وقيمته الغذائية والعلاجية، وإليك أخي القارئ ما قيل فيه:
قال أحمد قدامة: «وفي الطب الحديث تبين من تحليل العسل أنه يحوي عناصر ثمينة كثيرة، أهمها: السكاكر التي اكتشف منها حتى الآن نحو 15 نوعاً –فقط-، والبروتين والمعادن (الحديد، النحاس، الكبريت، البوتاسيوم، والمنغنيز، الفوسفور، الكلور، الصوديوم، الكلسيوم، السليكيا، السيليكون، المغنيزيوم)، وفيتامينات (ب1، ب2، ب6، ج)، والخمائر والنتروجين، والحوامض، والزيوت الأثيرية، والمواد القطرانية.
وفيما يلي نزر قليل من أقوال كبار الأطباء في العالم –اليوم- عن فوائد العسل.
قال الطبيب الشهير الدكتور جارفس في كتابه: «طب الشعوب»: «إن التَّجربة المحققة قد أثبتت أن البكتريا لا تعيش في العسل؛ لاحتوائه على مادة البوتاس، وهي تحرم البكتريا الرطوبة التي هي مادة حياتها، ويقول: لقد وضع الدكتور (ساكيت) استاذ البكتريا في كلية الزراعة في (فورت كولتز) أنواعاً من جراثيم الأمراض في قوارير مملوءة بالعسل الصرف، فماتت جراثيم التفوئيد بعد ثمان وأربعين ساعة، وماتت جراثيم النزلات الصدرية في اليوم الرابع، وجراثيم الزنتارية بعد عشر ساعات، وجراثيم أخرى بعد خمس ساعات».
وأثبتت تجارب أجريت في (معهد باستور) بفرنسا: أن العسل معقم ومضاد للفساد، وإن أي جرثوم لا يستطيع أن يعيش فيه طويلاً؛ لأن درجة تركيزه تجذب الماء من أجسام الجراثيم فتبددها.
وتبين من أبحاث جرثومية أجراها أطباء وعلماء كبار في روسيا أنّه لا يفسد ولا يتعفن إذا كان في وعاء مفتوح؛ لأن فيه مادة لا تمكن الجراثيم، أو الفطور التي يأتي بها الهواء أن تنمو في العسل، وأن العصيَّات التيفية لا تعيش فيه أكثر من 48 ساعة، والزحارية تموت خلال 10 ساعات، وعصيات السل يوقف تكاثرها(8).
وذكروا من فوائده الشيء الكثير فمما قالوا:
وصف العسل –نتيجة أبحاث طويلة ودقيقة- بأنه ذو تأثير مدهش في بناء جسم الطفل إذا خلط بلبن المرضعة أو غيره، فهو يقوي الرضيع، ويساعده على النمو، ويطهر جسمه، ويسهل وظائف أعضائه، وثبتت فائدة العسل في معالجة الجروح المتقيحة، والتقرحات الجلدية، والتهاب الغدد العرقية، والعظم، والنقي والحروق، وعروق الإبط، وذلك بدهنها بالعسل، وعولجت الدمامل، والحميرة الخبيثة بدهنا بالعسل عدة مرات في اليوم بعد تشطيب المكان المصاب ليدخل العسل إلى مكان الداء.
ويوصف العسل اليوم كأحسن علاج لحفظ حيوية الجلد، ونضارة الوجه، وقوة الشعر وجماله ولمعانه.
ويفيد العسل –خاصة- المفكرين، والشيوخ الضعفاء، والأطفال الرضع، وفي مرض البلاغرا المتصف بخشونة الجلد، أو الاضطرابات الهضمية والعصبية، وهو يثبت الكلس في العظام، ويحمي من الكساح، ونخر الأسنان، وتقوس الساقين، وينظم حركة التنفس، ويفيد المصابين بأمراض الصدر، ويلين ويلطف صعوبة البلع والسعال وجفاف الفم، ويقي من فقر الدم، وهو ينفع الكبد، والكليتين، والالتهابات في المعدة، والسل الرئوي، وضيق النفس، والنزلات الصدرية، ويفيد في الأمراض التي تصيب الكليتين مصحوبة بالصديد؛ كما يفيد في حالات سوء الهضم والقرحة في المعدة.
والعسل منوم، وقد تحدث الطبيب (جارفس) عن مزايا المادة السكرية في العسل فقال: «إنها لا تهيج قناة الهضم، وهي سريعة التمثيل، وتتحول سريعاً إلى طاقة بدنية، وهي مناسبة للمشتغلين بالألعاب الرياضية، وهي من بين أنواع السكريات أوفقها للكليتين، وهي مهدئة ملطفة، ومساعدة على الهضم، وتكلّم الأطباء عن (الشهد الملوكي) غذاء الملكات، وعزو إليه السر العجيب الذي يجعل الملكة تعيش ستة أعوام بينما النحل العادي لا يعيش أكثر من بضعة شهور . . . وقد أعلن الأطباء عام 1959م أن الشهد الملوكي يجب أن يعتبر غذاؤه ممتازاً مجدداً للحيوية، ولا شيء غير ذلك.
وهكذا يعالج اليوم بالغذاء «العجيب» الضعف، والشيخوخة، وتصلب الشرايين، والشعور بالتعب، والضعف، وفقر الدم(9)، وأمراض أخرى كثيرة مذكورة في كتب الطب القديم والحديث.
قلت: فالنحلة هذه المخلوقة العجيبة التي سمى الله باسمها سورة من القرآن، وأخبرنا عن عالمها، ومنهجها في الحياة، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها، وشبهها بالمؤمن، فهي تأخذ خيراً وتضع خيراً، وجعل الله في كل ما يخرج من بطنها شفاء: عسلها، شمعها، غذاؤها الملكي، عكبرها خبزها وهو «حبوب اللقاح»، وحتى إبرها فيها شفاء من الروماتزم، وغيره من الأمراض، فاستعمال العسل مفيد للوقاية من الأمراض قبل حصولها، بحفظ الصحة الموجودة، ودفع العلة المفقودة قبل هجومها، ونعم الله علينا لا تعد ولا تحصى.
فهل نحن من الشاكرين؟!!