العمليات الفدائية: أهي انتحارية؟! أم استشهادية؟! ج3 - جمعية مركز الإمام الألباني للدراسات والأبحاث

العمليات الفدائية: أهي انتحارية؟! أم استشهادية؟! ج3

  • مشهور حسن آل سلمان
  • 11/08/2018
  • 91

نماذج من فتاوى علماء العصر الربانيين
ثامناً: هذه نماذج من فتاوى علماء العصر، يظهر من خلالها أن المنع لما يترتب على هذه الفتاوى من أضرار، فأطلق المانعون الحرمة لهذا الاعتبار، لا لحرمة العدو، أو إقراراً له على احتلاله واغتصابه، وقتله وبطشه! ويمكن أن نجعل هذه المحاذير بمثابة قيود للحل! فتضيق الهوة بين المختلفين، وتتقارب وجهات نظرهم، وينحصر(1) الخلاف بينهم!
r فتوى الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه اللّه تعالى-
للشيخ ابن عثيمين -رحمه اللّه-  كلام في أكثر من مكان على هذه العمليات، المتأمل فيه يجد أن الشيخ يمنع العمليات القائمة في بلاد فلسطين وغيرها، تقديراً منه على أن الأضرار فيها غالبة على وجه ظاهر عنده، ومن أنعم النظر في كلامه يجد أن هذه العمليات -عنده- لها وجود بقيود في الشرع، فإدراجه ضمن المانعين لها بإطلاق ليس بصحيح(2).
قال في «شرح رياض الصالحين»  (1/165-166) في شرح حديث قصة أصحاب الأخدود، محدِّداً الفوائد المستنبطة منه: «إن الإنسان يجوز أن يغرِّر بنفسه في مصلحة عامَّة للمسلمين؛ فإن هذا الغلام دلَّ الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه، وهو أن يأخذ سهماً من كنانته... إلخ.
قال شيخ الإسلام: «لأنَّ هذا جهاد في سبيل اللّه، آمَنَت أمَّة وهو لم يفتقد شيئاً؛ لأنَّه مات، وسيموت آجلاً أو عاجلاً».
فأمَّا ما يفعله بعض الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدّم بها إلى الكفار، ثم يفجرها إذا كان بينهم؛ فإن هذا من قتل النفس والعياذ بالله، ومن قتل نفسه فهو خالد مخلَّد في نار جهنم أبدَ الآبدين، كما جاء في الحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام-(3)؛ لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام؛ لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مئة أو مئتين، لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يُسِلم الناس، بخلاف قصة الغلام، وهذا ربما يتعنَّت العدو أكثر ويُوغر صدره هذا العمل، حتى يفتك بالمسلمين أشدّ فتك.
كما يوجد من صنع اليهود مع أهل فلسطين؛ فإن أهل فلسطين إذا مات الواحد منهم بهذه المتفجرات، وقتل ستة أو سبعة، أخذوا من جراء ذلك ستين نفراً أو أكثر، فلم يحصل في ذلك نفع للمسلمين، ولا انتفاع للذين فُجرت المتفجرات في صفوفهم.
ولهذا نرى أنَّ ما يفعله بعض الناس من هذا الانتحار، نرى أنه قتل للنفس بغير حقٍّ، وأنَّه مُوجِب لدخول النار -والعياذ باللّه-، وأن صاحبه ليس بشهيد، لكن إذا فعل الإنسان هذا متأولاً ظاناً أنه جائز، فإننا نرجو أن يَسلَم من الإثم، وأمَّا أن تكتب له الشهادة فلا؛ لأنه لم يسلك طريق الشهادة، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر» انتهى كلامه.
إذاً؛ الشيخ ابن عثيمين -رحمه اللّه- يرى أن النتائج المترتبة على هذه العمليات، هي التي تقرر مشروعيتها من عدمها، وأن في تقدير الشيخ أن ما يقوم به أهل فلسطين ممنوع؛ لما يترتب عليه من آثار سيئة في حقِّ سائر أفراد الشعب، وقد صرح بذلك في «اللقاء الشهري»   (20)، وهذا نص السؤال والجواب بالحرف:
«السؤال: فضيلة الشيخ! علمت -حفظك اللّه- ما حصل في يوم الأربعاء من حادث قُتل فيه أكثر من عشرين يهودياً على يد أحد المجاهدين، وجرح فيه نحو خمسين، وقد قام هذا المجاهد فلفّ على نفسه المتفجرات، ودخل في إحدى حافلاتهم ففجَّرها، وهو إنما فعل ذلك:
أولاً: لأنه يعلم أنه إن لم يقتل اليوم قُتل غداً؛ لأنّ اليهود يقتلون الشباب المسلم هناك بصورة منتظمة.
ثانياً: إن هؤلاء المجاهدين يفعلون ذلك انتقاماً من اليهود الذين قتلوا المصلين في المسجد الإبراهيمي(4).
ثالثاً: إنهم يعلمون أن اليهود يخطِّطون هم والنصارى للقضاء على روح الجهاد الموجودة في فلسطين.
والسؤال هو: هل هذا الفعل منه يعتبر انتحاراً أو يعتبر جهاداً؟ وما نصيحتك في مثل هذه الحال؛ لأننا إذا علمنا أن هذا أمر محرّم لعلنا نبلغه إلى إخواننا هناك، وفقك اللّه؟
الجواب: هذا الشابُّ الذي وضع على نفسه اللباس الذي يقتل، أول من يقتل نفسه، فلا شك أنه هو الذي تسبب في قتل نفسه، ولا يجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحة كبيرة للإسلام، فلو كانت هناك مصلحة كبيرة ونفع عظيم للإسلام، كان ذلك جائزاً.
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه اللّه- على ذلك، وضرب لهذا مثلاً بقصة الغلام، الغلام المؤمن الذي كان في أمة يحكمها رجل مشرك كافر، فأراد هذا الحاكم المشرك الكافر أن يقتل هذا الغلام المؤمن، فحاول عدَّة مرات، مرةً ألقاه من أعلى جبل، ومرةً ألقاه في البحر، ولكنه كلَّما حاول ذلك نجى اللّه ذلك الغلام، فتعجَّب هذا الملك الحاكم، فقال له الغلام يوماً من الأيام: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم، وما فعلت هذا إلا لقتلك، قال: اجمع الناس في صعيد واحد، ثم خذ سهماً من كنانتي، واجعله في القوس، ثم ارمني به، قل: بسم اللّه ربِّ الغلام. وكانوا إذا أرادوا أن يسمُّوا، قالوا: باسم الملك، لكن قال له: قل: بسم اللّه رب هذا الغلام.
فجمع الناس في صعيد واحد، ثم أخذ سهماً من كنانته، ووضعه في القوس، وقال: بسم رب هذا الغلام، وأطلق القوس، فضربه، فهلك، فصاح الناس كلهم: الربُّ ربُّ الغلام، والربُّ ربُّ الغلام، وأنكروا ربوبية هذا الحاكم المشرك؛ لأنهم قالوا هذا الرجل الحاكم فعل كل ما يمكن أن يهلك به هذا الغلام، ولم يستطع إهلاكه، ولما جاءت كلمة واحدة: بسم اللّه رب هذا الغلام، هلك، إذاً مدبر الكون؛ هو: اللّه، فآمن الناس.
يقول شيخ الإسلام: هذا حصل فيه نفع كبير للإسلام.
وإن من المعلوم، أن الذي تسبب في قتل نفسه هو هذا الغلام لا شك، لكنه حصل بهلاك نفسه نفع كبير؛ آمنت أمة كاملة، فإذا حصل مثل هذا النفع، فللإنسان أن يفدي دينه بنفسه، أما مجرَّد قتل عشرة أو عشرين دون فائدة، ودون أن يتغير شيء ففيه نظر، بل هو حرام، فربما أخذ اليهود بثأر هؤلاء فقتلوا المئات، والحاصل أن مثل هذه الأمور تحتاج إلى فقه وتدبُّر، ونظر في العواقب، وترجيح أعلى المصلحتين ودفع أعظم المفسدتين، ثم بعد ذلك تقدّر كل حالة بقدرها»(5).
وسئل الشيخ -رحمه اللّه تعالى- بما يلتقي مع الجوابين السابقين، وفيه زيادة في حكم من فعل ذلك مجتهداً وقد أخطأ في تقدير المصالح والمفاسد، وهذا نص السؤال والجواب:
السؤال: ما الحكم الشرعي فيمن يضع المتفجِّرات في جسده، ويفجِّر نفسه بين جموع الكفار نكاية بهم؟ وهل يصحُّ الاستدلال بقصة الغلام الذي أمر الملك بقتله؟
الجواب: «الذي يجعل المتفجِّرات في جسمه من أجل أن يضع نفسه في مجتمع من مجتمعات العدو، قاتل لنفسه، وسيعذَّب بما قتل به نفسه في نار جهنم خالداً فيها مخلَّداً، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن قتل نفسه في شيء يعذّب به في نار جهنم.
وعجباً من هؤلاء الذين يقومون بمثل هذه العمليات، وهم يقرؤون قول اللّه -تعالى-: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً}، ثم فعلوا ذلك، هل يحصدون شيئاً؟ هل ينهزم العدو؟! أم يزداد العدُّو شدَّةً على هؤلاء الذين يقومون بهذه التفجيرات، كما هو مشاهد الآن في دولة اليهود، حيث لم يزدادوا بمثل هذه الأفعال إلا تمسكاً بعنجهيَّتهم، بل إنَّا نجد أن الدولة اليهودية في الاستفتاء الأخير نجح فيها (اليمينيون) الذين يريدون القضاء على العرب.
ولكن من فعل هذا مجتهداً ظانّاً أنه قربة إلى اللّه -عز وجل- فنسأل اللّه -تعالى- ألا يؤاخذه؛ لأنه متأوِّل جاهل...
وأما الاستدلال بقصة الغلام، فقصة الغلام حصل فيها دخول في الإسلام، لا نكاية في العدو، ولذلك لما جمع الملك الناس، وأخذ سهماً من كنانة الغلام، وقال: باسم اللّه ربِّ الغلام، صاح الناس كلهم، الربُّ ربُّ الغلام، فحصل فيه إسلام أمة عظيمة، فلو حصل مثل هذه القصة، لقلنا: إن هناك مجالاً للاستدلال، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قصَّها علينا لنعتبرَ بها، لكنَّ هؤلاء الذين يرون تفجير أنفسهم إذا قتلوا عشرة أو مئة من العدو؛ فإن العدو لا يزداد إلا حنقاً عليهم وتمسكاً بما هم عليه»(6).
r فتوى الشيخِ المحدِّثِ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه اللّه تعالى-
لشيخنا محدِّث هذا العصر محمد ناصر الدين الألباني -رحمه اللّه- كلامٌ حول حكم هذه العمليات، مفاده ومؤدَّاه لا يخرج عمَّا سبق تقريره في فتوى الشيخ ابن عثيمين(7)، وقد أخطأ عليه كثير من الشانئين، فأكلوا لحمه، وأقاموا عليه الدنيا وما أقعدوها، كشأنهم في حرب الخليج، ولما هدأت الأحوال، تبيَّن لهم أن صنيعهم رماد، وأنهم علَّقوا الناس بسراب، وأنهم متعجِّلون، وهيهات لهم -في وقت الأحداث الجسام- أن يمسكوا ألسنتهم؛ لأنه لا وجود لهم إلا بها، ووجودهم صياح وعويل، دون ثمرة أو تأصيل، وزمن (العواطف) ولَّى أو كاد، ولن يبقى الوجود -إن شاء اللّه تعالى- إلا للأصيل، الذي أحكم تصوراته وأفعاله وأقواله بالدليل، على قواعد أهل العلم والتبجيل، وهذا أول النصر، لا سيما لهذا الجيل.
إن فتوى الشيخ -رحمه اللّه تعالى- تدور على الجواز بشروط، من أهمِّها: أن يقع تقدير المصالح المترتِّبة عليها من أمير للجيش، وإلا دبَّت الفوضى. وأن تقدير الشيخ -رحمه اللّه- في العمليات التي وقعت في (فلسطين) -أعادها اللّه إلى حظيرة الإسلام والمسلمين- لم تترتب عليها الآثار المتوخّاة في الشرع، ولهذا فهو يمنعها(8)، مع قوله -فيما سمعتُ منه-: «إنَّ مآل أصحابها إلى اللّه -عز وجل-، أرجو اللّه أن يتقبَّلهم»(9).
وهذا نص كلامه -رحمه اللّه تعالى- في هذه العمليات:
السائل: بعض الجماعات تقرُّ الجهاد الفردي مستدلَّةً بموقف الصحابي أبي بصير، وتقوم بما يسمى بعمليات استشهادية (وأقول: انتحارية)، فما حكم هذه العمليات؟
فأجاب الشيخ بالسؤال:
كم صار لهم...؟
السائل: أربع سنوات.
فقال الشيخ ناصر: ربحوا أم خسروا؟
السائل: خسروا.
فقال الشيخ ناصر: من ثمارهم يعرفون(10).
السائل: بالنسبة للعمليات العسكرية الحديثة، فيه قوات تسمى بالكوماندوز، فيكون فيه قوات للعدوَّ تضايق المسلمين، فيضعون فرقة انتحارية تضع القنابل ويدخلون على دبابات العدو، ويكون هناك قتل... فهل يعدُّ هذا انتحاراً؟
الجواب: لا يعدُّ هذا انتحاراً؛ لأنّ الانتحار؛ هو: أن يقتل المسلم نفسه خلاصاً من هذه الحياة التعيسة... أمِّا هذه الصورة التي أنت تسأل عنها، فهذا ليس انتحاراً، بل هذا جهاد في سبيل اللّه... إلا أن هناك ملاحظة يجب الانتباه لها، وهي أن هذا العمل لا ينبغي أن يكون فردياً شخصياً، إنما هذا يكون بأمر قائد الجيش... فإذا كان قائد الجيش يستغني عن هذا الفدائي، ويرى أن في خسارته ربحاً كبيراً من جهة أخرى، وهو إفناء عدد كبير من المشركين والكفار، فالرأي رأيه ويجب طاعته، حتى ولو لم يرض هذا الإنسان فعليه الطاعة...
الانتحار من أكبر المحرَّمات في الإسلام؛ لأنّ ما يفعله إلا غضبانُ على ربَّهِ ولم يرض بقضاء اللّه... أما هذا فليس انتحاراً، كما كان يفعله الصحابة يهجم الرجل على جماعة (كردوس) من الكفار بسيفه، ويعمل فيهم بالسيف حتى يأتيه الموت، وهو صابر؛ لأنه يعلم أن مآله إلى الجنة... فشتان بين من يقتل نفسه بهذه الطريقة الجهادية وبين من يتخلص من حياته بالانتحار، أو يركب رأسه ويجتهد بنفسه، فهذا يدخل في باب إلقاء النفس في التهلكة(11). (ا.هـ)
كما نعرض هنا لنص الفتوى التي أفتى بها الشيخ ناصر الدين الألباني، رداً على سؤال وجه إليه حول العمليات، فأجاب -رحمه اللّه-:
«إن العمليات الانتحارية التي تقع اليوم تجوز ولا تجوز».
وتفصيل هذا الكلام الذي يوهم التناقض ظاهر أنها تجوز في النظام الإسلامي، في الجهاد الإسلامي، الذي يقوم على أحكام الإسلام، ومن هذه الأحكام أن لا يتصرَّف الجندي برأيه الشخصي، وإنما يأتمر بأمر أميره؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «من أطاعني فقد أطاع اللّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني»، فإذا كان هناك -ونرجو أن يكون قريباً- جهاد إسلامي، على النظام الإسلامي، وأميره لا يكون جاهلاً، وإنما يكون عالماً بالإسلام، خاصَّة الأحكام المتعلِّقة بالجهاد في سبيل اللّه، هذا القائد أو هذا الأمير المفروض أنه يعرف، وأخذ مخطَّطَ ساحةِ المعركة وتصوَّرها في ذهنه تماماً، يعرف -مثلاً- إذا كانت هناك طائفة من الجيش لها نكاية في الجيش الإسلامي، ورأى أن يفاديَ بجزء من جنوده. ثم قال: وهذا مثال، وأنا لست عسكرياً، لكن الإنسان يستعمل عقله، فكلنا يعلم أن الجنود ليسوا في البسالة والشجاعة سواء، وليسوا في مرتبة واحدة في معرفة أصول القتال وأحكام القتال، فأنا أتصوَّر أن هذا القائد سيأخذ رجلاً، من الذين يصلحون للطبخ والنفخ، من الذين لا يصلحون للقتال؛ لأنه لا يحُسِن القتال، ليس عنده شجاعة، ويقول له: تسلَّحْ بالقنابل أو اركب الطائرة، واذهب بها إلى الجماعة الموجودين في الأرض الفلانية... هذا انتحار يجوز، أما أن يأتي واحد من الجنود كما يفعلون اليوم، أو من غير الجنود، وينتحر في سبيل قتل اثنين أو ثلاثة أو أربعة من الكفار فهذا لا يجوز؛ لأنه تصرُّف شخصي ليس صادراً عن أمير الجيش، وهذا التفصيل هو معنى قولنا: يجوز ولا يجوز.
وهذا كلام آخر للشيخ -رحمه اللّه- حول هذه العمليات، نختم به النقل عنه:
السائل: ما حكم الذين يموتون في عمليات جهادية على الحدود مع اليهود؟
الجواب:
أولاً: إذا قصدوا الجهاد في سبيل اللّه -عز وجل- فهو بنياتهم؛ للحديث المعروف في «صحيح البخاري ومسلم»، وهو من الأحاديث التي افتتح البخاري كتابه «الصحيح» به، وأخرجه الإمام مسلم في «صحيحه» في كتاب الجهاد؛ لبيان أن الجهاد لا يكون جهاداً في سبيل اللّه إلا إذا خلصت النية للّه -تبارك وتعالى-، وقد كنا ذكرنا في جلسة سبقت، أنه يشترط في العمل الصالح الذي يرفعه اللّه -عز وجل- مقبولاً لديه شرطان اثنان:
- أن يكون على وجه السنة.
- وأن يكون خالصاً للّه -عز وجل-.
ولا شك أن الجهاد هو من الأعمال الصالحة التي فرضها اللّه -عز وجل-؛ تارة فرض عين، وتارة فرض كفاية، وأناط بالجهاد بقاء العز للأمة المسلمة، وعلى العكس من ذلك إذا أهملوا الجهاد في سبيل اللّه، كما جاء في الحديث الصحيح: «سلط اللّه عليهم ذلاً لا ينزعه -لا يرفعه عنهم- حتى يرجعوا إلى دينهم».
فلا داعي لإثبات أن الجهاد عبادة -وعبادة عظيمة جداً-، ولكن هذه العبادة لا تقبََلُ عند اللّه -عز وجل- إلا إذا خلصت للّه وليس لحزبية، أو دفاعاً عن أرض، والأرض كلها للّه، يملّكها من يشاء من عباده، ذلك الحديث الذي افتتح الإمام البخاري كتابه «الصحيح» -كلكم يسمعه-، ولكنْ من الظنِّ العملُ به.
قال -عليه الصلاة والسلام-: «إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله، فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه».
هذا الحديث صريح جداً؛ لأنّ الهجرة التي ذُكرت في هذا الحديث، والمقصود بها هو الجهاد في سبيل اللّه    -عز وجل-، إنما يقبله ربنا -تبارك وتعالى- إذا كان بنيَّة خالصة للّه، لا يريد من وراء ذلك شيئاً من حطام الدنيا، أو مما يتعلق بها، قال -عليه السلام-على سبيل المثال-: «فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله، فهجرته إلى اللّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». ذكر المرأة والمال يصيبه الإنسان في الجهاد، لا يبتغي من وراء هذه إلا اللّه، فهو ونيته.
قلت: ذكر ذلك على سبيل المثال، وإلا فالنية تُفسَد بكثير من الأمور، ليست امرأةً ينكحها، أو دنيا يصيبها فحسب، فقد يكون يريد من جهاده ومن قتاله أن يقال: إنه مجاهد، لا يريد مالاً ولا يريد امرأة في السبي، وإنما يريد أن يقال: فلان مجاهد، فهذا هو ونيته؛ أي: ليس له جهاد.
فالجواب إذن: إذا خلصت النية من المجاهد للّه، لا شك أنه يثاب على ذلك لما يستحقُّه، ولكن هذا الجهاد الذيِ جاء السؤال عنه، ليس هو الجهادَ الذي أمر اللّه به، فأنا أقول: هو ونيته؛ لأنه قصد الجهاد، لكن الجهاد يجب أن يُعدَّ له عدته، كما قال اللّه -تعالى- في الآية المعروفة: {وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، هذا هو الجهاد حين يعلن وتتخذ له العدة، هو الذي لا يجوز التخلُّف عنه.
أما الجهاد بمعنى ثورة أفراد، يثورون ولو انتقاماً لأرضهم، فذلك ليس جهاداً، نعم؛ يكون الدفاع عن الأرض واجباً، أمّا هذه الهجمات التي في أكثر الأحيان تكون الخسارة المترتبة عليها أكثر من الربح -كما هو مشاهد- في كثير من أمثال هذه الهجمات، فليس هذا هو الجهادَ الذي يوجب على المسلمين كافة أن ينفروا -كما جاء في القرآن-، إنما هو الجهاد الذي أشار اللّه -عز وجل- إليه في آية أخرى: {وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً}، ولذلك فعلى المسلمين -كما صرحنَّا بهذا في أكثر من مناسبة- أن يعودوا إلى أنفسهم، وأن يفهموا شريعة ربَّهم فهماً صحيحاً، وأن يعملوا فيما فهموا من شرع اللّه -عز وجل- ودينه عملاً صادقاً خالصاً، حتى يتكتَّلوا ويتجمَّعوا على كلمة سواء؛ حينئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه -تبارك وتعالى-.(12) ا.هـ.
قال أبو عبيدة: وجدت بعد هذه النقولات كلاماً للشيخ على أثر صحيح، كان الشيخ –رحمه الله- قد خرَّجه في «السلسلة الصحيحة» (13)، وهو في «صحيح موارد الظمآن» (2/118-119) رقم (1386-1667) وعلَّق عليه فيما –بعد- بكلام فيه تصريح بتجويزه لمثل هذه العمليات مع شروط أوجز ذكرها في التعليق عليه، وفضلها فيما مضى، وهذا نص الأثر مع التعليق:
«عن أسلم أبي عمران مولى لكندة، قال: كنَّا بمدينة الروم، فأخرجوا علينا صفّا عظيما من الروم، وخرج إليهم مثله أو أكثر –وعلى أهل مصر عقبة بن عامر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح به الناس وقالوا: سبحان الله! تلقي بيدك إلى التهلكة! فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس!إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل، إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ، وإنَّا لمَّا أعزَّ الله الإسلام، وكَثُر ناصريه؛ قلنا بعضنا لبعض شراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد اعز الإسلام وكثر ناصريه، فلو أقمنا في أموالنا؛ فأصلحنا ما ضاع منها! فأنزل الله عز وجل [على نبيه صلى الله عليه وسلم] يرد علينا ما قلنا: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة:195] فكانت التهلكة الإقامة في أموالنا وإصلاحها وتركنا الغزو، وما زال أبو أيوب خارجاً في سبيل الله؛ جتى دفن بأرض الروم.
وعلَّق الشيخ –رحمه الله تعالى- على ما ورد في الأثر: «وتركنا الغزو» بقولـه: وهذا ما أصاب المسلمين اليوم، فشغلوا بإصلاح أموالهم وتنميتها عن الاهتمام بالعينة..» الحديث، وفيه: «تركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلَّط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم».
وفي الحديث ما يدل على جواز ما يعرف اليوم بالعمليات الانتحارية التي يقوم بها بعض الشباب المسلم ضدَّ أعداء الله، ولكن لذلك شروط، من أهمها أن يكون القائم بها قاصدا وجه الله، والانتصار لدين الله، لا رياء، ولا سمعة، ولا شجاعة، ولا يأساً من الحياة»ا.هـ.